|
ذكر الكعبة البيت الحرام:
أول بيت وضع للناس، ورفع على قديم الأساس، بني مثالا للبيت المعمور، ودعى إليه كل مأمور، وأذن إبراهيم صلوات الله عليه بالحج، ودعا إليه الناس فأتوه من كل فج، حجته الملائكة قبل آدم، وجاءته وعهده ما تقادم، ويقال أنه لم يبق نبي حتى حجه، ويعد عدة أنبياء دفنوا في الحجر منه، ولم تزل شعائره مكرمة، ومشاعره محرمة، عظم في الجاهلية والإسلام، وحرم من حيث بنيت الأعلام وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ وهو البيت المحجوج المحجوب، والمقصود بالزيارة قصد الوجوب، وبه الحجر الأسود الذي هو يمين الله في أرضه، والشاهد لمن حج وقبله بأداء فرضه، سماء الدعاء، وحرم تحريم الدماء، يأمن به الحمام ساكنا، ومن دخله كان آمنا. قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا).
وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" رواه البخاري وأبو عروبة وزاد: (وأينما أدركتك الصلاة فهو مسجد). قال ابن جرير الطبري اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ فقال بعضهم: تأويله أن أول بيت وضع للناس يعبد الله فيه، مباركا وهدى للعالمين للذي ببكة، قالوا: وليس هو أول بيت وضع في الأرض لأنه قد كان قبله بيوت كثيرة. ثم أسند هذا القول عن علي بن أبي طالب والحسن ومطر وسعيد وأظنه ابن جبير، ثم قال: وقال آخرون: بل هو أول بيت وضع للناس. واختلف هؤلاء في صفة وصفه أول، فقال بعضهم:خلقه قبل الأرض، ثم دحيت الأرض من تحته. وأسند هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان عرشه على الماء، على زبدة بيضاء، فدحيت الأرض من تحته. ونحوه عن مجاهد وقتادة والسدي، وقال آخرون: موضع الكعبة موضع أول بيت وضعه الله في الأرض. وأسند عن قتادة قال: ذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين أهبط، قال الله: أهبط معك بيتي يطاف به كما يطاف حول عرشي، فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمن الطوفان، رفعه الله وطهره من أن تصيبه عقوبة أهل الأرض، فصار مغمورا في السماء، ثم إن إبراهيم تبع منه أثرا بعد ذلك فبناه على أساس قديم كان قبله.
وقوله تعالى: لَلَّذِي بِبَكَّةَ يعني للبيت الذي ببكة، قال الزمخشري: وهو علم البلد الحرام، ومكة وبكة لغتان، وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد، وقيل: بكة موضع البيت ومكة ما حوله، وقيل: بكة البيت والمسجد ومكة الحرم كله. وقال عطاء بن أبي رباح: وجه آدم إلى مكة حين استوحش، فشكر ذلك إلى الله عز وجل في دعائه، فلما انتهى إلى مكة أنزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوته حتى بعث الله عز وجل إبراهيم فبناه. فذاك قول الله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ رواه أبو عروبة.
|